فصل: تفسير الآية رقم (72)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 23‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ‏(‏20‏)‏ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏21‏)‏ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏22‏)‏ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏‏.‏ قيل‏:‏ إنها نزلت بسبب اختلافهم في النَّفْل، ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم، و‏{‏تَوَلَّوْاْ‏}‏ أصله‏:‏ تتولوا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَنتُمْ تَسْمَعُونَ‏}‏ يريد دُعَاءه لكم بالقرآن والمواعظ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كالذين قَالُواْ‏}‏ يريد الكفار؛ إما من قريش لقولهم‏:‏ ‏{‏سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 31‏]‏ وأما الكفار على الإطلاق‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم‏}‏ مَقْصِدُ الآية بيان أن هذه الصنيفة العاتية من الكُفَّارِ هي شَرُّ النَّاسِ عند اللَّه سبحانه وأنها في أخَسِّ المَنَازِلِ لديه، وعبر بالدواب ليتأكد ذمهم، وقوله‏:‏ ‏{‏الصم البكم‏}‏ عبارة عما في قلوبهم، وعدم انشراح صدورهم، وإدراك عقولهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ‏}‏ أي سماع هدى، وَتَفَهُّمٍ، ‏{‏وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ ولو فهمهم ‏{‏لَتَوَلَّواْ‏}‏ بحكم القضاء السابق فيهم، ولأعرضوا عما تبين لهم من الهُدَى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 26‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏25‏)‏ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏استجيبوا‏}‏ بمعنى‏:‏ أجيبوا وقوله‏:‏ ‏{‏لِمَا يُحْيِيكُمْ‏}‏ قال مجاهد والجمهور‏:‏ المعنى للطاعة، وما يتضمنه القرآن، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من مَوْتِ الكفر والجهل، والطَّاعَةُ تؤدي إلى الحَيَاةِ الدائمة في الآخرة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ‏}‏ يحتمل وجوهاً‏:‏

منها‏:‏ أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة، حضَّهم على المبادرة والاستعجال، وأعلمهم أنَّه يحولُ بين المرء وقَلْبه بالموت والقَبْض، أي‏:‏ فبادروا الطاعات، ويلتئم مع هذا التأويلِ قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏، أي‏:‏ فبادروا الطاعات، وتزوَّدوها ليوم الحَشْر‏.‏

ومنها‏:‏ أن يقصد إِعلامهم أن قُدْرة اللَّه وعلْمه وإِحاطته حائلةٌ بين المرء وقلبه، فكأن هذا المعنَى يحضُّ على المراقبة والخَوْفِ للَّه المُطلَّع على الضمائر؛ حُكِيَ هذا التأويلُ عن قتادة ويحتملُ أن يريد تخويفهم؛ إِنْ لم يمتثلوا الطَّاعات، ويستجيبوا للَّه وللرَّسول؛ أَنْ يَحُلَّ بهم ما حل بالكفَّار الذين أرادهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 23‏]‏؛ لأن حَتْمهُ عليهم بأنهم لو سَمِعُوا لم ينتفعوا يقتضِي أنه كان قد حال بينهم وبَيْنَ قلوبهم‏.‏

ومنها‏:‏ أنْ يكون المعنَى ترجيةً لهم بأنَّ اللَّه يبدِّل الخوف الذي في قلوبهم مِنْ كثرة الَعدُوِّ، فيجعله جراءةً وقوةً، وبضدِّ ذلك للكفَّار، أي‏:‏ فإِن اللَّه تعالَى هو مقلِّب القلوب؛ كما كان قسم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل غير هذا‏.‏

قال مكِّيٌّ، وقال الطبريُّ‏:‏ هذا خبر من اللَّه عز وجلَّ؛ أنه أَمْلَكُ بقلوبِ العباد منهم لها، وأنه يحولُ بينهم وبينها إِذا شاء حتى لا يُدْرِك الإِنسان شيئاً من إِيمان ولا كُفْر، ولا يعي شيئاً، ولا يفهم شيئاً إِلا بإذنه ومشيته سبحانه، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول في دعائه‏:‏ «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي علَى دِينِكَ» انتهى من «الهداية»‏.‏

وروى مالكُ بن أنس والنسائي، أن رَسُولَ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم دَعَا أُبَيَّ بْنُ كَعْب وهو في الصَّلاَة، فَلَمْ يُجِبْهُ، وأَسْرَعَ في بَقِيَّةِ صَلاَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ‏}‏ ‏؟‏ قال أُبَيٌّ‏:‏ لاَ جَرَمَ، يا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَدْعُونِي أَبَدَاً إِلاَّ أَجَبْتُكَ‏.‏‏.‏‏.‏» الحديث بطوله، واختلاف ألفاظه، وفي «البخاريِّ ومسلم»؛ أن ذلك وقع مع أبي سَعِيدِ بن المعلى، وروي أنه وقع نحوه مع حُذَيْفَة بن اليَمَانِ في غزوة الخَنْدَق‏.‏

وقوله‏:‏ عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً‏}‏ في الآية تأويلاتٌ، أسبقها إِلى النفْسِ، أن اللَّه سبحانه حذَّر جميع المؤمنين من فتنة إِن أصابَتْ لم تخصَّ الظلمة فقطْ، بل تصيبُ الكُلَّ من ظالمٍ وبريءٍ، وهذا تأويلُ الزُّبَيْر بن العَوَّام، والحسنِ البَصْرِيِّ، وكذلك تأويل ابن عباس؛ فإنه قال‏:‏ أمر اللَّه المؤمنين في هذه الآية ألاَّ يقروا المُنْكَرَ بين أظهرهم، فيعمَّهم العذاب و‏{‏خَاصَّةً‏}‏‏:‏ نعت لمصدرٍ محذوف، تقديره إِصابةً خاصةً، فهي نصب على الحال، وقرأ علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وغيره‏:‏ «لتُصِيبَنَّ»- باللام- على جواب قسم، والمعنَى على هذا‏:‏ وعيدٌ للظلمة فقط‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية تتضمَّنِ تعديد نِعَم اللَّه على المؤمنين، و«إذ»‏:‏ ظرفٌ لمعمول، «واذكروا»‏:‏ تقديره‏:‏ واذكروا حالَكُم الكائنةً، أو الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون «إذْ» ظرفاً للذِّكْر‏.‏

وإِنما يعمل الذِّكْرُ في «إذْ» لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية‏.‏

فقَالَتْ فرقَةٌ؛ وهي الأكثر‏:‏ هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى‏:‏ المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر‏:‏ وَقْعَةُ بَدْرٍ وما انجر معها في وقتها، والطيبات‏:‏ الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة‏:‏ الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا‏:‏ عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر‏:‏ هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، والطَّيِّبَات‏:‏ الغنيمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏27‏)‏ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏28‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏29‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول‏}‏ هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ‏:‏ التنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل‏:‏ هي في تنقُّص أو أمره في سِرٍّ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَخُونُواْ أماناتكم‏}‏‏.‏

قال الطبريُّ‏:‏ يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ؛ كأنه قال‏:‏ لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى‏:‏ لا تخونوا اللَّه والرسول؛ فذلك خيانةٌ لأماناتكم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فِتْنَةٌ‏}‏، يريد‏:‏ محنةً واختبارا وامتحانا؛ ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏}‏، يريد‏:‏ فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه؛ للحيطة على أموالكم وأبنائكم؛ فإِن المذخور للآخرة أعظمُ أجراً‏.‏

قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وعْدٌ للمؤمنين بشرط التقوى والطاعةِ للَّه سبحانَهُ، و‏{‏يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ فرْقاً بين حقِّكم، وباطل مَنْ ينازعكم؛ بالنصْر والتأييد، وعبَّر قتادة، وبعضُ المفسِّرين عن «الفُرْقَان» ههنا بالنجاةِ، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ‏:‏ معناه‏:‏ مَخْرَجاً، ونحو هذا مما يعمه ما ذكَرْناه، وقد يوجَدُ للعرب استعمال «الفرقان»، كما ذكر المفسِّرون؛ وعلى ذلك شواهد؛ منها قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وَكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي *** وَمَاليَ مِنْ كَأْسِ المَنيِّةِ فُرْقَانُ

* ت *‏:‏ قال ابن رُشْد‏:‏ وأَحْسَنُ ما قيلَ في هذا المعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا‏}‏؛ أي‏:‏ فَضْلاً بين الحق والباطل؛ حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إِليه‏.‏ انتهى من «البيان»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 31‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ‏(‏30‏)‏ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تذكيرٌ بحال مكَّة وضيقها مع الكفرة، وجميل صُنْع اللَّه تعالى في جميع ذلك، والمَكْرُ‏:‏ المخاتلة والتداهي؛ تقول‏:‏ فلانٌ يَمْكُرُ بفلان؛ إِذا كان يستدرجه، وهذا المكر الذي ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية هو بإِجماع من المفسِّرين‏:‏ إِشارةٌ إِلى اجتماع قُرَيْش في «دار النَّدْوَةِ» بمحْضَر إِبْليسَ في صورة شيخٍ نَجْدِيٍّ على ما نصَّ ابن إِسحاق في «سِيَرِهِ» الحديثَ بطوله، وهو الذي كان خُرُوجُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بَعْدَ مَوْت أبي طالب، ففي القصَّة‏:‏ أن أبا جهْلٍ قال‏:‏ الرأْيُ أنْ نأخذ من كل بطنٍ في قريشٍ فَتًى قويًّا جَلْدياً، فيجتمعون ثم يأخُذ كُلُّ واحد منهم سيفاً، ويأتون محمداً في مَضْجَعه، فيضربونه ضَرْبةَ رجُلٍ واحدٍ، فلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ على قِتالِ قُرَيْشَ بأسرها، فيأخذون العَقْلَ، ونستريحُ منه، فقال النَّجْدِيُّ‏:‏ صدق الفَتَى؛ هذا الرأيُ‏:‏ لاَ رَأْيَ غيره، فافترقوا عَلَى ذلك، فأخبر اللَّه تعالَى بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وأذن له في الخُرُوجِ إِلى المدينة، فخرج رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من ليلته، وقال لعليِّ بنْ أَبي طالب‏:‏ «التف في بُرْدِيَ الحَضْرَمِيِّ، واضطجع فِي مَضْجَعِي؛ فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ شَيْء، فَفَعَل»، فجاءَ فتْيَانُ قُرَيْشٍ، فجعلوا يرصُدُون الشخْصَ، وينتظرون قيامه، فيثورون به، فلما قام رَأَوْا عَلِيًّا، فقالوا له‏:‏ أيْنَ صَاحِبُكَ‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدْرِي، وفي «السِّيَر»؛ أن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَيْهِم، وهُمْ في طريقه، فطَمَسَ اللَّه أعينهم عَنْه، وجعل عَلَى رأس كلِّ واحد منهم تراباً، ومضَى لوجهه، فجاءهم رجُلٌ، فقال‏:‏ مَا تَنْتَظِرُونَ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ محمَّداً، قال‏:‏ إِنِّي رأَيْتُهُ الآن جائياً من ناحيتكم، وهو لا مَحَالَة، وضَعَ الترابَ علَى رؤوسكم، فَمَدّ كلُّ واحدٍ يده إِلى رَأْسِهِ، فإِذا عليه الترابُ، وجاؤوا إلى مضجعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجدوا عَلِيًّا، فركبوا وراءه حينئذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وهو بالغارِ، ومعنى‏:‏ ‏{‏لِيُثْبِتُوكَ‏}‏‏:‏ لِيَسْجُنُوكَ؛ قاله عطاء وغيره وقال ابنُ عَبَّاس وغيره‏:‏ ليُوثِقُوكَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آياتنا‏}‏، يعني‏:‏ القرآن، ‏{‏قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا‏}‏، وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين‏}‏، أي‏:‏ قَصَصُهُمُ المَكْتُوبةُ المسْطُورة، وأساطيرُ‏:‏ جمع «أُسْطُورَةٍ»، ويحتملُ حمع‏:‏ «أَسْطَار»، وتواترتِ الرواياتُ عن ابنِ جُرَيْج وغيره‏:‏ أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بنُ الحارِثِ؛ وذلك أنه كان كَثِيرَ السَّفَرِ إِلى فَارسَ والحِيرَة، فكان قد سَمِعَ من قصص الرهبان وأخبار رُسْتُم وإسْفِنْديَار، فلما سمع القرآن، ورأى فيه أخبار الأنبياء والأمم، قال‏:‏ لو شئت لقلْتُ مثْلَ هذا، وكان النضْرُ من مَرَدةِ قريشٍ النائلين من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونزلَتْ فيه آيات كثيرة من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمْكَنَ اللَّه منْهُ يَوْمَ بدر، وقتله رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَبْراً بالصَّفْرَاء مُنْصَرَفَهُ من بَدْرٍ في موضعٍ يقال له «الأَثيل»، وكان أَسَرَهُ المِقْدادُ، فلما أمر رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بضرب عُنْقِهِ، قال المقداد‏:‏ أَسِيرِي، يا رَسُولَ اللَّهِ‏!‏ فقال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ في كِتَابِ اللَّهِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ»، ثُمَّ أَعَادَ الأَمْرَ بِقَتْلِهِ، فَأَعَادَ المِقْدَادُ مَقَالَتَهَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اللَّهُمَّ، أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ»، فَقَالَ المِقْدَادُ‏:‏ هَذَا الَّذِي أَرَدتُّ، فَضُرِبَتْ عُنُقُ النَّضْر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 34‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏32‏)‏ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ‏(‏33‏)‏ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ رُوِيَ عن مجاهدٍ وغيره‏:‏ أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بْنُ الحَارثِ المذكورُ، وفيه نزلَتْ هذه الآية‏.‏

قال * ع *‏:‏ وترتَّب أن يقول النَّضْرُ مقالَةً، وينسبها القُرآن إِلى جميعهم؛ لأن النضر كان فيهم موسُوماً بالنُّبْل والفَهْم، مسكوناً إِلى قوله، فكان إِذا قال قولاً قاله منهم كثيرٌ، واتبعوه عليه؛ حَسَب ما يفعله الناسُ أبداً بعلمائهم وفقهائهم‏.‏

* ت *‏:‏ وخرَّج البخاريُّ بسنده، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال‏:‏ قَالَ أَبو جَهْلٍ‏:‏ اللَّهُمَّ إِن كان هذا هُوَ الحَقَّ من عندكْ، فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلَتْ‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ‏}‏، إِلى‏:‏ ‏{‏عَنِ المسجد الحرام‏}‏ ا ه، والمشار إِليه ب ‏{‏هذا‏}‏ هو القرآن وشَرْعُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحَسَدُ، فعَمِيَتْ بصائرهم عن الهدَى، وصَمَّموا على أنَّ هذا ليس بحقٍّ، نعوذ باللَّه من جَهْدِ البلاءِ، وسُوء القضاء، وحكى ابن فُورَكَ‏:‏ أن هذه المقالة خرجَتْ منهم مَخْرَجَ العنادِ، وهذا بعيدٌ في التأويل، ولا يقولُ هذا على جهة العناد عاقلٌ، وقراءةُ الناسِ إِنما هي بنَصْب «الحق»؛ على أنه خَبَرَ «كان»، ويكون «هو» فَضلاً، فهو حينئذٍ اسم، و«أمْطِرْ» إِنما تستَعْملُ غالباً في المكروه، و«مَطَرَ» في الرحمة؛ قاله أبو عُبَيْدة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قالَتْ فرقة‏:‏ نزلَتْ هذه الآية كلُّها بمكَّة، وقالت فرقة‏:‏ نزلَتْ كلُّها بعد وقعة بَدْرٍ؛ حكاية عما مضَى‏.‏

وقال ابْنُ أَبْزَى‏:‏ نَزَلَ قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ‏}‏ بمكَّة إِثر قولهم‏:‏ ‏{‏أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏، ونزل قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏}‏، عند خروج النبيِّ صلى الله عليه وسلم من مكَّة في طريقه إِلى المدينة، وقد بقي بمكَّة مؤمنون يستغفرون، ونَزَلَ قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية، بعد بَدْر عند ظهور العَذَاب عليهم‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا التأويل بَيِّن، وعليه اعتمد عِيَاضٌ في «الشِّفَا» قال‏:‏ وفي الآية تأويلٌ آخر، ثم ذكَرَ حديث التِّرْمِذيِّ، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قال‏:‏ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتي‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏}‏، فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمْ الاستغفار ‏"‏ انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ وأجمعَ المتأوِّلون عَلى أن معنى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ‏}‏ أن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يعذِّب قطُّ أُمةً ونبيُّها بَيْنَ أظهرها، أي‏:‏ فما كان اللَّه ليعذِّب هذه الأمة، وأنْتَ فيهم، بل كرامَتُكَ لديه أعظَمُ‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله‏}‏ تُوعُّد بعذاب الدنيا، والضميرُ في قوله‏:‏ ‏{‏أَوْلِيَاؤُهُ‏}‏‏:‏ عائدٌ على اللَّه سبحانه، أو على المسجدِ الحرامِ، كلُّ ذلك جيِّد، ورُوِيَ الأخير عن الحسن‏.‏

وقال الطبريُّ‏:‏ عن الحسنِ بْنِ أَبي الحسنِ أن قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله‏}‏ ناسخ لقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏}‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ وفيه نظر؛ لأنه خبر لا يدخلُهُ نَسْخٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 36‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏35‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً‏}‏ المُكَاء‏:‏ الصَّفير؛ قاله ابن عباس والجمهورُ، والتصدية‏:‏ عبَّر عنها أكْثَرُ النَّاس؛ بأنها التصفيقُ، وذهب أكثر المفسِّرين إِلى أَن المُكَاء والتَّصْدية إِنَّما أحدثهما الكُفَّار عند مبعث النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِتَقْطَعَ عليه وعلى المؤمنين قراءَتَهم وصلاتَهم، وتخلطَ عليهم، فلما نفى اللَّه تعالى وِلاَيتهم للبَيْت، أمْكَنَ أن يعترض منهم معترضٌ بأنْ يقول‏:‏ وكيف لا نَكُونُ أولياءه، ونحن نَسْكُنُهُ، ونصلِّي عنده؛ فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأنْ قال‏:‏ وما كان صلاتهم عند البيت إِلا المكاءً والتَّصْدية‏.‏

قال * ع *‏:‏ والذي مَرَّ بي من أمر العرب في غير ما دِيوَان؛ أنَّ المكاء والتصدية كانا مِنْ فعل العرب قديماً قبل الإِسلام علَى جهة التقرُّب به والتشرُّع؛ وعلَى هذا يستقيم تغييرُهُم وتنقُّصهم بأَن شرعهم وصلاتهم لم تَكُنْ رهبةً ولا رغبةً، وإِنما كانَتْ مكاءً وتصديةً من نوع اللعب، ولكنَّهم كانوا يتزيَّدون فيهما وقْتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصَّلاة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَذُوقُواْ العذاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية‏:‏ إِشارةٌ إِلى عذابهم ببَدْرٍ بالسيف؛ قاله الحسن وغيره؛ فيلزم أن هذه الآية الآخِرَةَ نزلَتْ بعد بَدْرٍ، ولا بدَّ‏.‏

قال * ع *‏:‏ والأشبه أنَّ الكلَّ نزل بعد بَدْرٍ؛ حكايةً عما مضَى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لما قُتِلَ من قُتِلَ ببدر، اجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لِمَنْ خَلُصَ ماله في العِيرِ‏:‏ إِن محمَّداً قد نال منَّا ما تَرَوْنَ، ولكنْ أعينونا بهذا المال الذي كانت سَبَبَ الوَقعَةِ، فلعلَّنا أنْ ننال منه ثأراً، يريدون نفقته في غَزْوَةَ أَحُدٍ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ‏}‏، الحَسْرة‏:‏ التلهُّف على فائتٍ، وهذا من أخبار القرآن بالغيوب قبل أن تكون، فكان كما أخبر، ثم أخبر سبحانه عن الكافرين، وأنهم يُجْمَعُونَ إِلى جهنَّم، والحَشْر‏:‏ الجمع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 40‏]‏

‏{‏لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏37‏)‏ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏38‏)‏ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏39‏)‏ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ‏(‏40‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب‏}‏، وقرأ حمزة والكسائيُّ‏:‏ «لِيُمَيِّزَ اللَّهُ»- بضم الياءِ، وفتحِ الميم، وشدِّ الياء-، قال ابن عباس وغيره‏:‏ المعنيُّ ب ‏{‏الخبيث‏}‏‏:‏ الكفَّارُ، وب ‏{‏الطيب‏}‏ المؤمنون، وقال ابْنُ سَلاَّم والزَّجَّاج‏:‏ ‏{‏الخبيث‏}‏‏:‏ ما أنفقه المشركون في الصَّدِّ عن سبيل اللَّه، و‏{‏الطيب‏}‏‏:‏ هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل اللَّهِ‏.‏

قال * ع *‏:‏ رُوِيَ عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَنَّ اللَّه سبحانه يُخْرِجُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَالِ مَا كَانَ صَدَقَةً أَوْ قُرْبَةً، ثُمَّ يأْمُرُ بِسَائِرِ ذَلِكَ، فيلقى فِي النَّارِ‏:‏ وعلى التأويلين‏:‏ فقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً‏}‏ إِنما هي عبارةٌ عن جَمْع ذلك، وضَمه، وتأليف أشتاته، وتكاثُفِه بالاجتماع، ويَرْكُمُهُ؛ في كلام العرب‏:‏ يُكَثِّفه؛ ومنه ‏{‏سَحَابٌ مَّرْكُومٌ‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 44‏]‏ وعبارة البخاريِّ‏:‏ فيركمه‏:‏ فَيَجْمَعه‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِن يَنتَهُواْ‏}‏، يعني‏:‏ عن الكفر، ‏{‏يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ‏}‏؛ لأن الإِسلام يجُبُّ ما قبله، و‏{‏إِن يَعُودُواْ‏}‏، يريدُ بِهِ‏:‏ إِلى القِتَالِ، ولا يصحُّ أن يُتَأَوَّل‏:‏ وإن يعودوا إِلى الكُفْرِ؛ لأنهم لم ينفصلوا عنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأولين‏}‏‏:‏ عبارةٌ تجمَعُ الوعيدَ والتهديدَ والتمثيلَ بمَنْ هَلَكَ من الأمم في سالف الدَّهْرِ بعذاب اللَّه؛ حين صدَّ في وَجْهِ نبيِّه بمَنْ هلك في يَوْمِ بَدْرٍ بسيف الإسلام‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ‏}‏ قال ابنُ عباس، وابن عمر، وغيرهما‏:‏ الفِتْنَةُ‏:‏ الشِّرْكُ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا هو الظاهر، ويفسِّر هذه الآيةَ قولُه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا‏:‏ لاَ إله إِلاَّ اللَّه ‏"‏ الحديث‏.‏

وقال ابن إِسحاق‏:‏ معناها‏:‏ حتَّى لا يفتن أحَدٌ عن دينهِ؛ كما كانت قريشٌ تَفْعَلُ بمكَّة بمن أَسْلَمَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ‏}‏، أيْ‏:‏ لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيرُهُ سبحانه، ثم قال تعالَى‏:‏ ‏{‏فَإِنِ انْتَهَوْاْ‏}‏، عن الكفر، ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير‏}‏‏:‏ معادلٌ لقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنِ انْتَهَوْاْ‏}‏، المعنى‏:‏ وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعدٌ مَحْضٌ بالنصْرِ والظَّفرِ، و‏{‏المولى‏}‏؛ هاهنا الموالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ‏:‏ الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمُّ المؤمنين والمشركين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 44‏]‏

‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏41‏)‏ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏42‏)‏ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏43‏)‏ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏44‏)‏‏}‏

وقوله عزّ وجل‏:‏ ‏{‏واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الغنيمةُ؛ في اللغة‏:‏ ما يناله الرجلُ بسَعْيٍ؛ ومنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الصِّيَامُ في الشِّتَاءِ هِيَ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ»، وقوله‏:‏ ‏{‏مِّن شَيْءٍ‏}‏‏:‏ ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل ‏[‏لحمه‏]‏ من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ‏:‏ يقسمها الإِمام؛ إِن رأى ذلك صواباً؛ كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ؛ إن أداه اجتهاده إلى ذلك؛ كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه عنه بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام؛ عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه‏:‏

منها‏:‏ القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية‏.‏

ومنها‏:‏ الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة؛ لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه‏.‏

ومنها‏:‏ المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجى أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن‏.‏

ومنها‏:‏ الاسترقاق‏.‏

ومنها‏:‏ ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة‏.‏

وأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم‏.‏

ومحلُّ استيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا‏}‏، أي‏:‏ من النصرَ والظهور الذي أنزله اللَّه سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان‏:‏ معناه‏:‏ يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل؛ بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ‏:‏ يريد‏:‏ جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏، يَعْضُدُ أَنَّ قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا‏}‏، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي‏:‏ الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه عَزَّ وجَلَّ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ‏}‏، العُدْوَة‏:‏ شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر؛ لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه؛ أن يتجاوز الوادِيَ، أي‏:‏ منعته؛ ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي *** وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُون

وقرأ ابنُ كَثِير، وأبو عمرو‏:‏ ‏{‏بِالعِدْوَة‏}‏- بِكَسْرِ العين-، وقوله‏:‏ ‏{‏الدنيا‏}‏، و‏{‏القصوى‏}‏، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، والدُّنْيَا‏:‏ من الدُّنُوِّ، والقصوى‏:‏ منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد، ‏{‏والركب‏}‏، بإِجماعٍ من المفسِّرين‏:‏ عِيرُ أبي سفيان، وقوله‏:‏ ‏{‏أَسْفَلَ‏}‏، في موضع خَفْض، تقديره‏:‏ في مكان أَسْفَلَ كَذَا‏.‏

قال سِيبَوَيْهِ‏:‏ وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بَدْر حين نَذَرَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ؛ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد‏}‏، المَقْصدُ من الآية‏:‏ تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى‏:‏ لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير‏:‏ لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، ‏{‏ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً‏}‏، أي‏:‏ لينفِّذَ ويُظْهِر أمراً قد قدَّره في الأزل مفعولاً لكم؛ بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده عزَّ وجلَّ لم يتجدَّد له به علْمٌ، وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ‏}‏، قال الطبريُّ‏:‏ المَعنى‏:‏ ليُقْتَلَ من قُتِلَ من كفَّار قريش وغيرهم؛ ببيانٍ مِنَ اللَّه وإِعذارٍ بالرسالة، ويَحْيَا أيضاً ويعيشَ مَنْ عاش؛ عن بيانٍ منْه أيضاً وإِعذار؛ لا حجة لأحد عليه سبحانه‏.‏

* ت *‏:‏ قال أبو عمر بنُ عَبْدِ البَرِّ في كتاب «فضل العلْمِ» في قوله عز وجلَّ‏:‏ ‏{‏لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ البيِّنة‏:‏ ما بان به الحقُّ‏.‏ انتهى‏.‏

وقال ابنُ إِسْحَاق وغيره‏:‏ معنى «لِيَهْلِكَ»، أيْ‏:‏ لِيَكْفُرَ، و«يَحْيَا» أي‏:‏ ليؤمنَ؛ فالحياةُ والهلاكُ على هذا التأويل‏:‏ مستعارتان‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وتظاهرتِ الرواياتُ؛ أن هذه الآية نزلَتْ في رُؤْيَا رآها رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رأى فيها عَدَدَ الكُفَّار قليلاً، فأَخبر بذلك أصحابه، فقَوِيَتْ نفوسُهم، وحَرِصُوا على اللقاء؛ قاله مجاهد وغيره، والظاهر أنه رآهم صلى الله عليه وسلم في نومه قليلاً قَدْرُهُم وبأْسُهم، ويحتمل أنه رآهم قليلاً عدَدُهم، فكان تأويلُ رؤياه انهزامهم، والفَشَلُ‏:‏ الخَوَرُ عن الأمر، و‏{‏لَتَنَازَعْتُمْ‏}‏، أي‏:‏ لتخالَفْتم في الأمر، يريد‏:‏ في اللقاءِ والحَرْبِ‏.‏ و‏{‏سَلَّمٌ‏}‏‏:‏ لفظ يعمُّ كلَّ متخوَّف‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏، وهذه الرؤية هي في اليقظة بإِجماع، وهي الرؤية التي كانَتْ حين التقوا، ووقعتِ العَيْنُ على العين، والمعنَى‏:‏ أن اللَّه تعالَى؛ لَمَا أراده من إِنفاذ قضاءه في نُصْرة الإِسلام وإِظهار دِينِهِ، قَلَّلَ كُلَّ طائفةٍ في عُيُونِ الأخرَى، فوقع الخَلَلُ في التخمينِ والحَزْرِ الذي يستعمله الناسُ في هذا؛ لتَجْسُرَ كلُّ طائفة على الأخرَى، وتتسبَّب أسبابُ الحَرْب، والأمر المفعولُ المذكورُ في الآيتين هو القصَّة بأجمعها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور‏}‏‏:‏ تنبيهٌ علَى أن الحَوْلَ بأجمعه للَّه، وأنَّ كلَّ أمّرٍ، فَلهُ وإِليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 47‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏45‏)‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏46‏)‏ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏47‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تنازعوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذا أَمْرٌ من اللَّه سبحانه بما فيه داعيةُ النَّصْر، وسبَبُ العزِّ، وهي وصيَّة منه سبحانه بِحَسَبِ التقْييد الذي في آية الضَّعْفِ، والفِئَةُ الجماعة، أصلها‏:‏ «فِئَوَة»، وهي مِنْ‏:‏ «فأَوْتُ»، أي‏:‏ جمعتُ، ثم أمر سبحانه بإِكثار ذكْره هناك؛ إِذ هو عصمةُ المستنجد، وَوَزَرُ المستعين‏.‏

قال قتادة‏:‏ افترض اللَّه ذِكْرَهُ عند اشغل ما يكونُ؛ عنْدَ الضرِّاب والسُّيوف‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا ذِكْرٌ خفيٌّ؛ لأن رَفْعَ الصَّوْت في موطن القتَال رديءٌ مكروهٌ؛ إِذا كان ألغاطاً، فأما إِن كان من الجميعِ عند الحَمْلة، فَحَسَنٌ فَاتٌّ في عَضُد العَدُوِّ؛ قال قيسُ بْنُ عُبَادٍ‏:‏ كان أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يكرهُونَ الصَّوْت عند ثلاثٍ؛ عند قراءة القُرآن، وعند الجنازة، وعنْدَ القتال، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اطلبوا إِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ القِتَالِ، وإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ ‏"‏ وكان ابن عباس يُكْرَه التلثُّم عنْدَ القتالِ‏.‏

قال النَّوويُّ‏:‏ وسُئِلَ الشيخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ، عن القَدْرِ الذي يصيرُ به المرء من الذَّاكرين اللَّهَ كثيراً، فقال‏:‏ إِذا واظب على الأَذْكَارِ المأثورة المُثْبَتَةِ؛ صباحاً ومساءً، وفي الأوقاتِ والأحوال المختلفة؛ ليلاً ونهاراً- وهي مبيَّنةٌ في كتب «عمل اليوم والليلة»- كان من الذاكرين اللَّه كثيراً؛ واللَّه سبحانه أعلم‏.‏ انتهى من «الحلية»‏.‏

* ت *‏:‏ وأَحْسَنُ من هذا جوابُهُ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ‏:‏ «سَبَقَ المُفْرِّدُون قَالُوا‏:‏ وَمَا المُفَرِّدُونَ، يا رَسُولَ اللَّه‏؟‏ قَالَ‏:‏ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتُ»، رواه مسلمٌ، والترمذيُّ، وعنده‏:‏ «قَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا المُفَرِّدُونَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ؛ يَضَعُ عَنْهُمُ الذِّكْرُ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ خِفَافاً» قال صاحب «سلاح المؤمنين»‏:‏ المستَهْتِرُونَ في ذكْر اللَّهِ،- هو بفتح التاءَيْنِ المُثَنَّاتَيْنِ يعني‏:‏ الذي أُولِعُوا به؛ يقال‏:‏ استهتر فُلانٌ بكذا، أي‏:‏ أَولِعَ به، واللَّه أعلم‏.‏ انتهى‏.‏

فقَد بيَّن صلى الله عليه وسلم هنا صفةَ الذاكرين اللَّه كثيراً، وقد نقلنا في غير هذا المَحَلِّ بيانَ صفةَ الذاكرين اللَّه كثيراً، بنحو هذا مِنْ طريق ابن المبارك، وإِذا كان العبد مُسْتَهْتِراً بِذِكْرِ مولاه، أَنِسَ به، وأَحبَّه، وأحبَّ لقاءه؛ فلم يبال بلقاءِ العَدُوِّ، وإِن هي إِلا إِحدى الحسنيين‏:‏ إِما النصْرُ؛ وهو الأغلب لمن هذه صفته، أو الشهادةُ؛ وذلك مناه، ومطلبه‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏تُفْلِحُونَ‏}‏‏:‏ تنالون بغيتكم، وتنالون آمالكم، والجمهور علَى أن الرِّيحَ هنا مستعارةٌ‏.‏

قال مجاهد‏:‏ الرِّيح‏:‏ النصْرُ والقوةُ، وذَهَب رِيحُ أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم حينَ نازعُوه يَوْمَ أحد، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واصبروا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية‏:‏ تتميمٌ في الوصية وِعدَةٌ مُؤْنِسَة، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الإشارة إِلى كفار قريش، والبَطَر‏:‏ الأَشَر وغَمْطُ النِّعْمة، ورُوِيَ أن أبا سفيان، لمَّا أحرز عِيَره، بعث إِلى قريش، وقال‏:‏ إِن اللَّه قد سَلَّم عِيركُمْ، فارجعوا، فأتَى رأْي الجماعةِ علَى ذلك، وخالَفَ أبو جَهْل، وقال‏:‏ واللَّهِ، لاَ نَفْعَلُ حَتَّى نَأْتيَ بَدْراً- وكانَتْ بَدْرٌ سُوقاً من أسواقِ العَرَبِ لها يومُ موسمٍ فننحَرُ عليها الإِبلَ، ونَشْرَب الخمر، وتَعْزِفُ علينا القِيَانُ، وتسمع بنا العربُ، ويَهَابُنا النَّاسُ، فهذا معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرِئَاءَ الناس‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏48‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس‏}‏، الضمير في ‏{‏لَهُمْ‏}‏ عائدٌ على الكُفَّار، و‏{‏الشيطان‏}‏‏:‏ إبليس نفْسُه، والذي عليه الجمهورُ، وتظاهرَتْ به الرواياتُ أن إبْلِيسَ جاء كُفَّار قريشٍ، ففي «السِّيَر» لابن هشامٍ‏:‏ أنه جاءهم بمكَّة، وفي غيرها‏:‏ أنَّه جاءهم، وهُمْ في طريقهم إِلى بَدْرٍ، وقد لحقهم خَوْفٌ من بني بَكْر وكِنَانَةَ؛ لحروبٍ كانَتْ بينهم، فجاءهم إِبليس في صورة سُرَاقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُم، وهو سيِّد مِنْ ساداتهم، فقال لهم‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَارٌ لَّكُمْ‏}‏، ولن تخافوا من قومي، وهم لكُمْ أعوانٌ على مَقْصِدِكم، ولَنْ يغلبكم أحدٌ، فروي أنه لما التقى الجمعانِ، كانَتُ يده في يدِ الحَارِثِ بن هشام، فلما رأَى الملائكَةَ، نَكَصَ، فقال له الحارثُ‏:‏ أَتَفِرُّ يا سُرَاقَةُ‏؟‏‏!‏ فلم يَلْو عَليه، ويروى أَنه قال له ما تضمَّنته الآيةُ، وروي أن عُمَيْرَ بْنَ وهبٍ، أو الحارثِ بْنَ هشامٍ قال له‏:‏ أَيْنَ يا سُرَاقُ‏؟‏ فلم يَلْوِ مِثْلَ عَدُوِّ اللَّه، فذهبَ، ووقعتِ الهزيمة، فتحدَّثوا أنَّ سُرَاقَةَ فَرَّ بالنَّاسِ، فبلغ ذلك سُرَاقَةَ بْنَ مالك، فأتى مكَّة، فقال لهم‏:‏ واللَّه، ما عَلِمْتُ بشيء منْ أمركم حتى بَلَغَتْني هزيمَتُكُمْ، ولا رأْيْتُكُم، ولا كُنْتُ معكم‏.‏

* ت *‏:‏ قال ابنُ إسحاق‏:‏ ذكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ مَنْزِلٍ في صُورَة سُرَاقَة لا يُنْكِرُونه حتَّى إِذا كان يَوْمُ بَدْر، والتقى الجمعان، نكَصَ عدوُّ اللَّه على عَقِبَيْه، فأوردهم ثُمَّ أَسلمهم‏.‏ انتهى من «السيرة» لابن هشام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَارٌ لَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أنتم في ذمَّتي وحِمَائي، و«تراءت»‏:‏ تفاعلَتْ من الرؤية، أي‏:‏ رأى هؤلاءِ هؤلاءِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏نَكَصَ على عَقِبَيْهِ‏}‏، أي‏:‏ رَجَعَ من حيث جاء، وأصْل النُّكُوص؛ في اللغة‏:‏ الرجوعُ القَهْقَرَى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي أرى مَا لاَ تَرَوْنَ‏}‏، يريد‏:‏ الملائكةَ، وهو الخبيثُ، إِنما شرط أَنْ لاَ غَالِبَ لهم من الناس، فلما رأَى الملائكة، وخَرْقَ العادةِ، خَافَ وَفَرَّ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَخَافُ الله‏}‏، قال الزَّجَّاج وغيره‏:‏ خافَ ممَّا رأَى مِنَ الأمر، وهَوْلِهِ؛ أنَّه يومُهُ الذي أُنْظِرَ إِليه؛ ويقوِّي هذا أَنه رأَى خَرْقَ العادةِ، ونزولَ الملائكةِ للحَرْب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 51‏]‏

‏{‏إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏49‏)‏ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏50‏)‏ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏51‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال المفسرون‏:‏ إِن هؤلاء الموصوفين بالنِّفاق، إِنما هُمْ من أهْل عَسْكر الكُفَّار ممَّن كان الإِسلام دَاخِلَ قلوبهم، خَرَجُوا مع المُشْركين إِلَى بَدْرٍ، منهم مكرَهٌ وغيرُ مُكْرَهٍ، فلما أشرفوا على المسلمينَ، ورأَوْا قلَّتهم، ارتابوا، وقالُوا مشيرين إِلى المسلمين‏:‏ غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولم يُذْكَرْ أحدٌ ممَّن شهد بدراً بنفاقٍ إِلا ما ظَهَرَ بعْدَ ذلك من مُعَتِّب ابن قُشَيْرٍ؛ فإِنه القائل يَوْمَ أحُدٍ‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏ وقد يحتمل أنْ يكون منافقو المدينة، لما وَصَلَهم خروجُ قريشٍ في قوَّة عظيمةٍ، قالوا هذه المقالةَ، ثم أخبر اللَّه سبحانه بأنَّ مَنْ توكَّل عليه، وفوَّض أمره إليه، فإِن عزَّته سبحانه وحِكْمته كفيلةٌ بنَصْره، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية هذه الآيةُ تتضمَّن التعجيبَ ممَّا حلَّ بالكُفَّار يوم بَدْر؛ قاله مجاهدٌ وغيره، وفي ذلك وعيدٌ لمن بَقِيَ منهم، وقوله‏:‏ و‏{‏أدبارهم‏}‏، قال جُلُّ المفسِّرين‏:‏ يريد أَسْتَاهَهْم، ولكنَّ اللَّه كريمٌ كَنَّى، وقال ابن عبَّاس، والحسن‏:‏ أراد ظهورَهُمْ وما أَدْبَرَ منهم وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 54‏]‏

‏{‏كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏52‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏53‏)‏ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بآيات الله فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الدَّأْبُ‏:‏ العادةُ في كلام العربِ، وهو مأخوذٌ من دَأَبَ عَلَى العمل، إِذا لازمه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ معنى هذه الآية إِخبارٌ من اللَّه سبحانه، إِذا أنعم على قومٍ نعمةً، فإِنه بلُطْفه ورحمته لا يبدأُ بتغييرها وتنْكِيدها، حتى يجيءَ ذلك منْهم؛ بأنْ يغيِّروا حالهم الَّتي تُرَادُ، أو تَحْسُنُ منهم، فإِذا فعلوا ذلك، غيَّر اللَّه نعمته عنْدَهم بِنِقْمته منْهم، ومثالُ هذه نِعْمَةُ اللَّه عَلَى قُرَيْشٍ بنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فكَفَروا به، فغيَّر اللَّه تلك النعمة، بأنْ نقلها إِلى غيرهم من الأنصار، وأَحَلَّ بهم عقوبَتَهُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيات رَبِّهِمْ فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ‏}‏، هذا التكريرُ هو لمعنًى ليس للأول؛ إذ الأول دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لما كَفَرُوا، وهذا الثَّاني دأْبٌ في أَنَّهُ لم يغيِّرْ نعمتهم؛ حتَّى غيروا ما بأنْفُسِهِم، والإِشارة بقوله‏:‏ ‏{‏والذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏، إِلى قومِ شعيبٍ وصالحٍ وهودٍ ونوحٍ وغيرهِمِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 59‏]‏

‏{‏إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏55‏)‏ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ‏(‏56‏)‏ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏57‏)‏ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ‏(‏58‏)‏ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الذين عاهدت مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ‏}‏، أجمع المتأوِّلون؛ أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله‏:‏ ‏{‏فِي كُلِّ مَرَّةٍ‏}‏‏:‏ يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم‏.‏

وحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهداوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا اجتمعت الأحزاب على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوْا قريشاً، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما انجلت تلك الحالُ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فاستنزلوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، واستيعاب قصَّتهم في «السِّير» وإِنما اقتضبت منها ما يخُصُّ تفسير الآية‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ معنى ‏{‏تَثْقَفَنَّهُمْ‏}‏ تأسرهم، وتحصِّلهم في ثِقَافِكَ، أو تَلْقَاهم بحالٍ تقدرُ عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى‏:‏ ‏{‏فَشَرِّدْ‏}‏ أي‏:‏ طَرِّدْ، وأبْعِدْ، وخَوِّف‏.‏ والشريدُ‏:‏ المبعد عن وطَنٍ ونحوه، ومعنى الآية‏:‏ فإِن أَسَرْتَ هؤلاءِ الناقضين في حربك لهم، فافعل بهم من النقمة ما يكُونُ تشريداً لمن يأتي خلْفَهم في مثْلِ طريقتهم، وعبارةُ البخاريِّ‏:‏ «فَشَرَّدْ» فَرَّقَ‏.‏ انتهى‏.‏

والضمير في ‏{‏لَعَلَّهُمْ‏}‏ عائدٌ على الفرقة المشرَّدة، وقال ابن عباس‏:‏ المعنى‏:‏ نكِّل بهم مَنْ خلفهم‏.‏

وقالَتْ فرقة‏:‏ معناه‏:‏ سَمِّعْ بهم، والمعنَى متقاربٌ، ومعنى‏:‏ ‏{‏خَلْفَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ بعدهم، و‏{‏يَذَّكَّرُونَ‏}‏، أيْ‏:‏ يتعظون‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال أكثر المفسِّرين‏:‏ إِن الآية في بني قُرَيْظة، والذي يظهر من ألفاظ الآية أنَّ أَمْرَ بني قريظة قد انقضى عند قوله‏:‏ ‏{‏فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ‏}‏، ثم ابتدأ تبارَكَ وتعالَى في هذه الآية بما يَصْنَعُهُ في المستقبل، مع مَنْ يخافُ منه خيانةً إِلى آخر الدهر، وبَنُو قريظة لم يَكُونوا في حَدِّ مَنْ تُخَافُ خيانته، وقوله‏:‏ ‏{‏فانبذ إِلَيْهِمْ‏}‏، أي‏:‏ أَلْقِ إِليهم عَهْدهم، وقوله‏:‏ ‏{‏على سَوَاءٍ‏}‏، قيل‏:‏ معناه‏:‏ حتى يكونَ الأمْرُ في بيانِهِ والْعِلْمِ به، على سواءٍ منْكَ ومنهم؛ فتكُونُونَ في استشعار الحَرْب سواءً، وذَكَرَ الفَرَّاء؛ أن المعنَى‏:‏ فانبذ إليهم على اعتدال وسواءٍ من الأمر، أي‏:‏ بَيِّنْ لهم على قَدْر ما ظهر منهم، لا تُفَرِّطْ، ولا تَفْجَأْ بحربٍ، بل افعل بهم مِثْلَ ما فعلوا بك، يعني‏:‏ موازنةً ومقايسةً، وقرأ نافع وغيره‏:‏ «وَلاَ تَحْسَبَنَّ»- بالتاء- مخاطبةً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، و‏{‏سَبَقُواْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ فَاتُوا بأنفسهم وأنْجَوْهَا، ‏{‏إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا يُفْلِتُونَ، ولا يُعْجِزُونَ طالبهم، ورُوِيَ أن الآية نزلَتْ فيمن أَفْلَتَ من الكفَّار في بَدْرٍ وغيره فالمعنى‏:‏ لا تظنَّهم نَاجِينَ، بل هم مُدْرَكُون، وقرأ حمزة وغيره‏:‏ «ولا يَحْسَبَنَّ»- بالياء مِنْ تَحْتُ، وبفتحِ السين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ‏}‏ المخاطبةُ في هذه الآية لجميع المؤمنين، وفي «صحيحِ مُسْلِمْ»‏:‏ «أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْي» ولما كانت الخيلُ هي أصْل الحرب، وأَوزَارَهَا، والتي عُقِدَ الخيرُ في نواصيها، خَصَّها اللَّه تعالى بالذكْرِ، تشريفاً لها، ولما كانت السهامُ من أنجع ما يُتعاطَى في الحرب وأَنْكَاه في العدو وأَقْربه تناولاً للأرواح، خَصَّها صلى الله عليه وسلم بالذكْرِ والتنبيهِ عليها‏.‏

* ت *‏:‏ وفي «صحيح مسلم»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ، وَتَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَو قَدْ عَصَى ‏"‏، وفي «سنن أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ»، عن عُقْبة بن عامر، قال‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخلُ بالسَّهْم الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ أَنُفُسٍ الجَنَّة؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، فارموا واركبوا، وأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا، كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ، بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهَ بَقْوسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ امرأته ‏"‏ انتهى‏.‏

ورباطُ الخيل‏:‏ مصدَرٌ مِنْ رَبَط، ولا يكثُرُ رَبْطُها إِلاَّ وهيَ كثيرةٌ، ويجوز أنْ يكون مصدراً من رَابَطَ، وإِذا رَبَطَ كلُّ واحد من المؤمنين فرساً لأجل صاحبه، فقد حَصَلَ بينهم رباطٌ، وذلك الذي حضَّ عليه في الآية، وقد قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ مَنْ ارتبط فَرَساً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَالبَاسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لاَ يَقْبِضُهَا ‏"‏، والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ‏.‏

* ت *‏:‏ وقد ذكرنا بعْضَ ما وردَ في فَضْلِ الرباط في آخر «آل عمران»؛ قال صاحبُ «التذكرة»‏:‏ وعن عثمانَ بْنِ عَفَّانَ، قالَ‏:‏ سمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهِا ‏"‏، وعن أبي بن كعب، قال‏:‏ قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لَربَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَة المُسْلِمينَ مُحْتَسِباً مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَان- أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان- أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وأَعْظَمُ أَجْراً- أَراهُ قَالَ‏:‏ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِيْ سَنَةٍ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا- فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ سالِماً، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ أَلْفَ سَنَةٍ، ويُكْتَبُ لَهُ مِنَ الحَسَنَاتِ، وَيَجْرِي لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ‏"‏، قال القرطبيُّ في «تذكرته»‏:‏ فدلَّ هذا الحديثُ على أن رباط يومٍ في رمضانَ يحصِّل له هذا الثوابَ الدائمَ، وإِنْ لم يَمُتْ مرابطاً‏.‏ خرَّج هذا الحديث، والذي قبله ابنُ مَاجَه‏.‏ انتهى من «التذكرة»‏.‏

و ‏{‏تُرْهِبُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تخوِّفون وتفزِّعون، والرهبة‏:‏ الخَوْف‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ‏}‏، فيه أقوال‏:‏ قيل‏:‏ هم المنافِقُونَ، وقيل‏:‏ فَارس، وقيل‏:‏ غير هذا‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويحسُنُ أن يقدَّر قوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَعْلَمُونَهُمُ‏}‏، بمعنى‏:‏ لا تَعْلَمُونهم فَازِعِينَ رَاهِبينَ‏.‏

وقال * ص *‏:‏ لا تعلمُونَهُمْ بمعنى‏:‏ لا تَعْرِفُونهم، فيتعدَّى لواحدٍ، ومَنْ عدَّاه إِلى اثنين، قدَّره‏:‏ محاربين، واستُبْعِدَ؛ لعدم تقدُّم ذكره، فهو ممنوعٌ عند بعضهم، وعزيزٌ جدًّا عند بعضهم انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 63‏]‏

‏{‏وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏61‏)‏ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ‏(‏62‏)‏ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏63‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا‏}‏ جَنَحَ الرَّجُلُ إِلى الأمْرِ؛ إِذا مال إِليه، وعاد الضميرُ في «لها» مؤنَّثاً؛ إِذ «السَّلْم» بمعنى المسالمة والهُدْنَة، وذهب جماعةٌ من المفسِّرين إِلى أَن هذه الآية منسوخةٌ، والضمير في «جَنَحُوا» هو للذين نُبِذَ إِليهم على سواءٍ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الضمير في قوله‏:‏ «وإِن يريدوا» عائدٌ على الكفَّار الذين قال فيهم‏:‏ ‏{‏وَإِن جَنَحُواْ‏}‏، أي‏:‏ ‏{‏وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ‏}‏، بأنْ يُظْهِروا السَّلْم، ويُبْطِنُوا الغَدْر والخيانة، ‏{‏فَإِنَّ حَسْبَكَ الله‏}‏، أي‏:‏ كافيك ومعطيك نَصْرَه، و‏{‏أَيَّدَكَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ قوَّاك ‏{‏وبالمؤمنين‏}‏، يريد الأنصارَ، بذلك تظاهَرَتْ أقوالُ المفسَّرين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ إشارةٌ إِلى العدواة التي كانَتْ بين الأوْسِ والخَزْرَجِ‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولو ذَهَبَ ذاهبٌ إِلى عمومِ المؤمنين في المهاجرين والأنصارِ، وجعل التأليف ما كَانَ بيْنَ جميعهم من التحابِّ، لساغ ذلك، وقال ابنُ مَسْعُود‏:‏ نزلَتْ هذه الآية في المتحابِّين في اللَّه‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ إِذا تَرَاءَى المتحابَّانِ في اللَّه، وتصَافَحَا، تَحَاتَّتْ خطاياهما، فقال له عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ‏:‏ إِن هذا لَيَسِيرٌ، فقال له‏:‏ لا تَقُلْ ذلك، فإِن اللَّه تعالَى يَقُولُ‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‏}‏، قال عَبْدَةُ‏:‏ فعرفْتُ أنه أفْقَهُ مني‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا كلُّه تمثيلٌ حَسَنٌ بالآية، لا أنَّ الآية نزلَتْ في ذلك، وقد رَوَى سهْلُ بن سعد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ‏:‏ ‏"‏ المؤمن مَألَفَةٌ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤلَفُ ‏"‏‏.‏ قال * ع *‏:‏ والتشابه سَبَبُ الأُلْفَة، فمَنْ كان من أهْل الخَيْر، أَلِفَ أشباهَهُ وأَلِفُوهُ‏.‏

* ت *‏:‏ وفي «صحيح البخاريِّ»‏:‏ ‏"‏ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تَعَارَفَ مِنْهَا ائتلف، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اختلف ‏"‏ انتهى، وروى مالكٌ في «الموطإ»، عن أبي هريرة قال‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ‏:‏ أَيْنَ المُتَحَابُّونَ لَجَلاَلي‏؟‏ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي ‏"‏‏.‏ قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد»‏:‏ ورُوينا عن ابنِ مسعود، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنه قال‏:‏ ‏"‏ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ‏:‏ الوِلاَيَةُ في اللَّهِ‏:‏ الحُبُّ والبُغْضُ فِيهِ ‏"‏، ورواه البراءُ بنُ عَازِبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أيضاً، وعن عبد اللَّهِ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ‏}‏، قال‏:‏ نزلَتْ في المتحابِّين في اللَّه قال أبو عمر‏:‏ وأما قوله‏:‏ الَيْومَ أُظلُّهُمْ فِي ظِلِّي، فإِنه أراد- واللَّه أعلم في ظلِّ عرشه، وقد يكونُ الظِّلُّ كنايةً عن الرحْمةِ؛ كما قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ المتقين فِي ظلال وَعُيُونٍ‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 41‏]‏، يعني‏:‏ بذلك مَا هُمْ فيه مِنَ الرحمة والنعيم‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏64- 66‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏64‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏65‏)‏ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين‏}‏، قال النَّقَّاش‏:‏ نزلَتْ هذه الآية بالبَيْداء في غزوة بَدْر، وحُكِيَ عن ابنِ عبَّاس‏:‏ أنها نزلَتْ في الأوس والخزرج‏.‏

وقيل‏:‏ إِنها نزلَتْ حين أسلم عمر وكمَلَ المسلمون أَربَعِينَ‏.‏ قاله ابن عمر، وأنس؛ فهي على هذا مكِّيَّة‏:‏ و«حَسبك»؛ في كلام العرب، و«شَرْعُكَ»‏:‏ بمعنى كافِيكَ ويَكْفِيك، والمحسب‏:‏ الكافي، قالت فرقة‏:‏ معنى الآية‏:‏ يَكْفِيكَ اللَّهِ، ويكفيكَ مَنِ اتبعك، ف «مَنْ» في موضع رفع‏.‏

وقال الشَّعْبِيُّ وابن زَيْد‏:‏ معنى الآية‏:‏ حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتبعك من المؤمنين، ف«مَنْ» في موضع نَصْب عطفاً على موضع الكاف؛ لأن موضعها نَصْبٌ على المعنى ب «يكفيك» التي سدَّتْ «حَسْبُكَ» مسدَّها‏.‏

قال * ص *‏:‏ ورد بأنَّ الكاف لَيْسَ موضعها نصْب لأن إضافة حسب إليها إضافة صحيحة انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏حَرِّضِ المؤمنين‏}‏، أي‏:‏ حُثَّهم وحُضَّهم، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِن يَكُن مِّنكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية، لفظُ خبرٍ، مضمَّنه وعدٌ بشرط؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون‏}‏، بمنزلة أنْ يقال‏:‏ إِنْ يَصْبِرْ منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصَّبر، قال الفخر‏:‏ وحَسُنَ هذا التكليفُ لما كان مسبوقاً بقوله‏:‏ ‏{‏حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين‏}‏، فلمَّا وعد اللَّه المؤمنين بالكِفَايَة والنصرِ، كان هذا التكليفُ سَهْلاً؛ لأن مَنْ تكلَّف اللَّه بنصره، فإِن أَهْلَ العَالَمِ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إيذَاءَتِهِ انتهى، وتظاهرت الرواياتُ عن ابن عبَّاس وغيره من الصحابة؛ بأنَّ ثبوت الواحدِ للعَشَرةِ، كان فرضاً على المؤمنين، ثم لمَّا شَقَّ ذلك عليهم، حَطَّ اللَّه الفَرْضَ إِلى ثبوتِ الواحِدِ للاثنَيْنِ، وهذا هو نَسْخُ الأَثْقَلِ بالأَخَفِّ، وقوله‏:‏ ‏{‏لاَّ يَفْقَهُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ لا يفهمون مراشِدَهم، ولا مَقْصِدَ قتالهم، لا يريدون به إِلا الغلبةَ الدنيويَّة، فهم يخافُونَ المَوْت؛ إِذا صُبَر لهم، ومَنْ يقاتلْ؛ ليَغْلِبَ، أَو يُسْتشهد، فيصير إِلى الجنة، أثبَتُ قدماً لا محالة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والله مَعَ الصابرين‏}‏‏:‏ لفظُ خبرٍ في ضمنه وعْدٌ وحضٌّ على الصبر، ويُلْحَظُ منه وعيدٌ لمن لم يَصْبِرْ؛ بأنه يُغْلَبُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 69‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏67‏)‏ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏68‏)‏ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏69‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال * ع *‏:‏ هذه آية تتضمَّن عندي معاتَبةً مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ لأصحاب نبيِّه عليه السلام والمعنى‏:‏ ما كان ينبغي لكُمْ أَنْ تفعلوا هذا الفعْلَ الذي أوْجَبَ أن يكون للنبيِّ أَسْرَى قبل الإِثخان؛ ولذلك استمرَّ الخطابُ لهم ب ‏{‏تُرِيدُونَ‏}‏ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرِّجَالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أراد صلى الله عليه وسلم قَطُّ عَرَضَ الدنيا، وإِنما فعله جمهورُ مُبَاشِرِي الحَرْبِ، وجاء ذكْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الآية؛ مشيراً إِلى دخوله عليه السلام في العَتْبِ؛ حين لم يَنْهَ عن ذلك حين رآه من العَرِيشِ، وأنْكَره سعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، ولكَنَّه صلى الله عليه وسلم شَغَلَهُ بَغْتُ الأمر، وظهورُ النصر؛ عن النهْي ومَرَّ كثيرٌ من المفسِّرين؛ على أنَّ هذا التوبيخَ إنما كان بسبب إشارة مَنْ أشار على النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ بأخذ الفدْيَةِ، حين استشارهم في شأن الأَسرَى، والتأويل الأول أَحْسَنُ، والإِثخانُ‏:‏ هو المبالغةُ في القَتْل والجراحةِ، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏{‏تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا‏}‏، أي‏:‏ مالها الذي يعز وَيَعْرِضُ، والمراد‏:‏ ما أُخِذَ من الأسرى من الأموال، ‏{‏والله يُرِيدُ الأخرة‏}‏، أيْ‏:‏ عمل الآخرة، وذكَر الطبريُّ وغيره؛ أن رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلنَّاس‏:‏ ‏"‏ إِنْ شِئْتُمْ، أَخَذْتُمْ فِدَاءَ الأسرى، وَيُقْتَلُ مِنْكُمْ في الحَرْبِ سَبْعُونَ على عَدَدِهِمْ، وإِنْ شِئْتُمْ، قُتِلُوا وَسَلِمْتُمْ، فَقَالُوا‏:‏ نَأْخُذُ المَالَ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا ‏"‏، وذكر عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بسنده؛ أَنَّ جبريلَ نَزَلَ عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بتخْيِيرِ النَّاسِ هكذا؛ وعَلَى هذا، فالأمر في هذا التخيير مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فإِنه إِعلامٌ بغيب، وإِذا خُيِّروا رضي اللَّه عنهم، فكيف يقع التوبيخُ بعدُ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏؛ فهذا يدُّلك على صحَّة ما قدَّمناه، أنَّ العتب لهم إِنما هو على استبقاءِ الرجالِ وقْتَ الهزيمةِ؛ رغبةً في أخْذ المال، وهو الذي أقولُ به، وذكر المفسِّرون أيضاً في هذه الآيات تحليلَ المَغَانِمِ، ولا أَقولُ ذلك؛ لأن تحليل المغانم قد تقدَّم قبْل بَدْرٍ في السَّرِيَّة التي قُتِلَ فيها ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإِنما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ استبقاء الرِّجَال؛ لأجل المال، والذي مَنَّ اللَّه به فيها‏:‏ إِلحاق فدية الكافر بالمغانمِ التي تقدَّم تحليلها، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَّوْلاَ كتاب مِّنَ الله سَبَقَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏، قال ابن عبَّاس، وأبو هريرة، والحَسَن، وغيرهم‏:‏ الكِتَابُ‏:‏ هو ما كان اللَّه قَضَاهُ في الأَزَلِ مِنْ إِحلالِ الغنائمِ والفداءِ لهذه الأمة، وقال مجاهد وغيره‏:‏ الكتابُ السابق‏:‏ مغفرةُ اللَّهِ لأهْلِ بدر، وقيل‏:‏ الكتاب السابقُ‏:‏ هو ألاَّ يعذب اللَّه أحداً بذَنْبٍ إِلا بعد النَّهْيِ عنه، حكاه الطبريُّ‏.‏

قال ابنُ العربيِّ في «أحكام القُرآن»‏:‏ وهذه الأقوالُ كلُّها صحيحةٌ ممكنَةٌ، لكن أقواها ما سبق مِنْ إِحلال الغنيمة، وقد كانوا غَنِمُوا أوَّلَ غنيمةٍ في الإِسلام حينَ أرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّه بْنَ جَحْش‏.‏ انتهى، ورُوِيَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ «لَوْ نَزَلَ في هَذَا الأَمْرِ عَذَابٌ، لَنَجَا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب»، وفي حديث آخر‏:‏ «وسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ»؛ وذلك أن رأيهما كان أنْ تُقْتَلَ الأَسْرَى، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ نصٌّ عَلَى إِباحة المال الذي أُخِذَ من الأسْرَى، وإِلحاقٌ له بالغنيمة التي كان تقدَّم تحليها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 71‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏70‏)‏ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏71‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها النبي قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأسرى إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ‏}‏، روي أنَّ الأسرَى بِبَدْرٍ أعلموا رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّ لهم مَيْلاً إِلى الإِسلام، وأنهم إِنْ رجعوا إِلى قومهم، سَعَوْا في جلبهم إِلى الإِسلام، قال ابن عَبَّاس‏:‏ الأَسْرَى في هذه الآية‏:‏ عَبَّاسٌ وأصحابه، قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ آمنا بما جئْتَ به، ونشهد إِنك لَرَسُولُ اللَّه، ولَنَنْصَحَنَّ لك علَى قومنا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، ومعنى الكلام‏:‏ إِن كان هذا عَنْ جِدٍّ منكم، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَنفسكم الخَيْرَ والإِسلام، فإِنه سيجبر عليكم أَفْضَلَ مما أَعطيتم فديةً، ويغفرْ لكم جميعَ ما اجترمتموه، وروي أنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي اللَّه عنه قال‏:‏ فيَّ وفي أصْحَابِي نَزَلَتْ هذه الآيةُ، وقال حِينَ أعطاه رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ ما قَدِّرَ أنْ يقول‏:‏ هذا خَيْرٌ ممَّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا بَعْدُ أَرجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهِ لِي، وروي عنه؛ أنه قال‏:‏ ما أَوَدُّ أَنَّ هذه الآية لَمْ تَنْزِلْ، ولي الدنيا بأجمعها؛ وذلك أن اللَّه تعالى قد أتاني خَيْراً مما أُخِذَ مني، وأنا أرجو أَنْ يَغْفِرَ لي، وقوله‏:‏ ‏{‏فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ بالكُفْر، ‏{‏فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ بأن جعلهم أسْرَى، ‏{‏والله عَلِيمٌ‏}‏ فيما يبطنونه، ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ فيما يجازيهم به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏72‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‏}‏، مَقْصِدُ هذه الآية وما بعدها‏:‏ تبيينُ منازل المهاجرين والأنصار، والمؤمنين الذين لم يُهَاجِرُوا، وذكر المهاجرين بَعْد الحديبية، فقدَّم أوَّلاً ذِكْرَ المهاجرين، وهُمْ أصل الإِسلام، وتأمَّل تقديمَ عُمَرَ لهم في الاستشارةِ، وَهَاجَرَ‏:‏ معناه‏:‏ هَجَرَ أهله وقرابته، وهَجَرُوهُ، ‏{‏والذين ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ‏}‏‏:‏ هم الأنصارُ، فحكَمَ سبحانه على هاتَيْنِ الطائفتين؛ بأن بَعْضَهُم أولياءُ بَعْضٍ، فقال كثيرٌ من المفسِّرين‏:‏ هذه الموالاةُ‏:‏ هي المؤازرة، والمعاونة، واتصال الأيدي، وعليه فَسَّر الطبريُّ الآية، وهذا الذي قالوه لازم من دلالة لفظ الآية، وقال ابن عبَّاسٍ وغيره‏:‏ هذه الموالاةُ هي في المواريث؛ وذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم آخَى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجريُّ إذا ماتَ، ولم يكُنْ له بالمدينةِ وليٌّ مهاجريٌّ، ورثه أخوه الأنْصَارِيُّ، وكان المسلم الذي لم يُهَاجِرْ لا ولايَةَ بينه، وبَيْنَ قريبه المهاجريِّ، ولا يرثه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُوْلُواْ الأرحام‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏؛ وعلى التأويلين، ففي الآية حضٌّ على الهجرة، قال أبو عُبَيْدَة‏:‏ الوِلاَيَةُ- بالكسر- من وَليتُ الأَمْرَ إِليه، فهي في السلطان، وبالفَتْحِ هي من المَوْلَى؛ يقال‏:‏ مَوْلَى بَيِّنَ الوَلاَيَةِ- بفتح الواو-‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِنِ استنصروكم‏}‏، يعني‏:‏ إِن استدعى هؤلاء- المؤمنون الذين لم يُهَاجِروا نَصْرَكُمْ- ‏{‏فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ‏}‏؛ فلا تنصروهم عليهم؛ لأَنَّ ذلك غَدْرٌ ونقْضٌ للميثاق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 75‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ‏(‏73‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏74‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏75‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‏}‏؛ وذلك يجمع الموارثَةَ والمعاوَنَةَ والنُّصْرة، وهذه العبارةُ تحريضٌ وإِقامةٌ لنفوس المؤمنين؛ كما تقولُ لمن تريدُ تحريضَهُ‏:‏ عَدُوُّكَ مُجْتَهِدٌ أي‏:‏ فاجتهد أَنْتَ، وحكى الطبريُّ في تفسير هذه الآية، عن قتادة؛ أنه قال‏:‏ أبَى اللَّهُ أَن يقبل إِيمانَ مَنْ آمن ولم يُهَاجرْ، وذلك في صَدْر الإِسلام، وفيهم قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ لاَ تَتَرَاءَى نَارُهُمَا ‏"‏ الحديثَ على اختلاف ألفاظه، وقول قتادة، إِنما هو فيمن كان يُقيمُ متربِّصاً يقول‏:‏ مَنْ غَلَبَ، كُنْتُ معه؛ وكذلِكَ ذُكِرَ في كتاب «الطَّبريِّ»، وغيره، والضميرُ في قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ تَفْعَلُوهُ‏}‏، قيل‏:‏ هو عائدٌ على المُؤازرة والمعاونة، ويحتملُ على الميثاق المذكور، ويحتملُ على النَّصْر للمسلمين المستَنْصِرِينَ، ويحتمل على الموارثَة والتزامها، ويجوز أَن يعود مجملاً على جميعِ ما ذُكِرَ، والفتْنَةُ‏:‏ المِحْنَة بالحَرْب وما انجر معها؛ من الغارَاتِ، والجلاءِ، والأسر، والفسادُ الكَبيرُ‏:‏ ظُهُورُ الشِّرْك‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً‏}‏، تضمَّنت الآيةُ تخصيصَ المهاجرين والأنصار، وتشريفَهم بهذا الوَصْف العظيمِ‏.‏

* ت *‏:‏ وهي مع ذلك عند التأمُّل يلوح منها تأويل قتادَةَ المتقدِّم، فتأمَّله، والرزْقُ الكريمُ‏:‏ هو طعام الجنَّة؛ كذا ذكر الطبريُّ وغيره‏.‏

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ وإِذا كان الإِيمان في القَلْب حقًّا، ظهر ذلك في استقامة الأعمال؛ بامتثال الأمر واجتناب المَنْهِيِّ عنه، وإِذا كان مجازاً، قَصَّرت الجوارحُ في الأعمال؛ إذ لم تبلغ قوَّتُهُ إليها‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ‏}‏‏:‏ قوله‏:‏ «من بعد»، يريدُ به مِنْ بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذلك أن الهجرة مِنْ بعدِ ذلك كانَتْ أقلَّ رتبةً من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهِجْرَةُ الثانية، ‏{‏وجاهدوا مَعَكُمْ‏}‏‏:‏ لفظٌ يقتضي أنهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله‏}‏، قالَ مَنْ تقدَّم ذكره‏:‏ هذه في المواريثِ، وهي ناسخةٌ للحُكْم المتقدِّم ذكْرُهُ‏.‏

وقالتْ فرقة، منها مالك‏:‏ إن الآية لَيْسَتْ في المواريث، وهذا فَرارٌ من توريثِ الخَالِ والعَمَّة ونحو ذلك‏.‏

وقالَتْ فرقة‏:‏ هي في المواريث، إِلا أنها نُسِخَتْ بآية المواريث المبيّنة، وقوله‏:‏ ‏{‏فِى كتاب الله‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ القرآن، أي‏:‏ ذلك مُثْبَتٌ في كتاب اللَّه‏.‏

وقيل‏:‏ في اللَّوْحِ المحفوظِ‏.‏

كَمَلَ تفسيرُ السُّورة، والحَمْدُ للَّهِ، وصلَّى اللَّه علَى سيِّدنا محمَّد وآله وَصَحْبِهِ وسَلَّم تسليماً‏.‏

سورة التوبة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏1‏)‏ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُّمْ مِّنَ المشركين‏}‏، التقدير‏:‏ هذه الآيةُ براءَةٌ، ويصحُّ أن يرتفع «براءَةٌ»؛ بالابتداء، والخَبَرُ في قوله‏:‏ ‏{‏إِلَى الذين‏}‏‏.‏ و‏{‏بَرَاءَةٌ‏}‏ معناه‏:‏ تَخَلَّصٌ وتَبَرٍّ من العهود التي بَيْنَكم، وبَيْنَ الكفَّار البادئين بالنَّقْض‏.‏

قال ابن العَرَبِّي في «أحكامه»‏:‏ تقول‏:‏ بَرَأْتُ مِنَ الشَّيْءِ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، فأنا مِنْه بَرِيءٌ؛ إِذا أنزلْتَهُ عن نَفْسكَ، وقطَعْتَ سبَبَ ما بينك وبَيْنه‏.‏ انتهى‏.‏

ومعنى السياحة في الأرض‏:‏ الذَّهَاب فيها مسرحين آمنين؛ كالسَّيْح من الماء، وهو الجاري المنبسطُ؛ قال الضَّحَّاك، وغيره من العلماء‏:‏ كان من العرب مَنْ لا عَهْدَ بينه وبَيْن النبيِّ صلى الله عليه وسلم جملةً، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ، وتحُسسَ منهم نَقْضٌ، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ ولم ينقضوا، فقوله‏:‏ ‏{‏فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ‏}‏ هو أَجَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهِ لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره انقضاء العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذي لا عَهْدَ لهم ألبتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يوماً، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها انقضاء المُحَرَّم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَى الذين عَاهَدْتُّم‏}‏، يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يومَ الأذان تِسْعَةُ أشهرٍ‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله‏}‏، أي‏:‏ لا تفلتون اللَّه، ولا تعجزونه هَرَباً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 4‏]‏

‏{‏وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏3‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أي‏:‏ إِعلامٌ، و‏{‏يَوْمَ الحج الأكبر‏}‏ قال عمر وغيره‏:‏ هو يَوْمُ عَرَفَة، وقال أبو هريرة وجماعة‏:‏ هو يوم النَّحْر، وتظاهرتِ الرواياتُ؛ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بالاستماع، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها؛ كَأَبِي هُرَيْرَة وغيره، وتتَّبعوا بها أيضاً أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره؛ وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ‏:‏ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر‏:‏ عرفَةُ؛ حيث وقع أَوَّلُ الأذان‏.‏

وقالتْ أُخْرَى‏:‏ هو يومُ النَّحْرِ؛ حيث وقع إِكمال الأذَان‏.‏

وقال سفيان بن عُيَيْنَة‏:‏ المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها؛ كما تقول‏:‏ يَوْمُ صفِّينَ، وَيَوْمُ الجَمَلِ؛ ويتجه أن يوصَفُ ب «الأَكبر»؛ علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل يكون المعنى‏:‏ الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله‏.‏

واختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ؛ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال‏:‏ أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم افتتح مكَّة سنةَ ثمانٍ، فاستعمل عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضى أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وانصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال‏:‏ لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمر أبا بَكْرٍ على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً‏:‏ صَدْرُ سورةِ «بَرَاءَة»، وقيل‏:‏ ثَلاَثِينَ، وقيل‏:‏ عشرين، وفي بعض الروايات‏:‏ عَشْر آيات، وفي بعضها‏:‏ تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي‏:‏ أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات‏:‏ ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات‏:‏ ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا انقضت، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وأقول‏:‏ إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر؛ للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ‏:‏ نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضاً، وقالوا‏:‏ ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ‏؟‏ فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد‏.‏

قال * ع *‏:‏ وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَنَّ الله بَرِيءٌ مِّنَ المشركين وَرَسُولُهُ‏}‏ أي‏:‏ ورسولُهُ بريءٌ منهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن تُبْتُمْ‏}‏، أي‏:‏ عن الكُفْر‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين عاهدتم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ‏}‏، هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره‏:‏ «ينْقُضُوكُمْ»- بالضاد المعجمة-، و‏{‏يظاهروا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يعاونوا، والظَّهيرُ‏:‏ المُعِينُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين‏}‏‏:‏ تنبيهٌ على أنَّ الوفاء بالعَهْد من التقوَى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏6‏)‏ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم‏}‏‏:‏ الانسلاخ‏:‏ خروجُ الشيء عن الشيء المتلبِّس به؛ كانسلاخ الشاة عن الجِلْدِ، فشبه انصرام الأشهر بذلك‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن زَيْد‏:‏ هذه الآية، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 4‏]‏‏:‏ هما مُحْكَمَتان؛ أي‏:‏ ليستْ إِحداهما بناسخةٍ للأخرى‏.‏

قال * ع *‏:‏ هذا هو الصواب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَخُذُوهُمْ‏}‏ معناه‏:‏ الأسْر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كُلَّ مَرْصَدٍ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ مواضع الغرَّة؛ حيث يرصدون ونصب «كُلَّ» على الظرف أو بإسقاط الخافِضِ، التقدير‏:‏ في كُلِّ مَرْصَدةٍ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن تَابُواْ‏}‏، أي‏:‏ عن الكُفْر‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك‏}‏، أي‏:‏ جَلَبَ منك عهداً وجواراً يأمن به، ‏{‏حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله‏}‏، يعني القُرْآن، والمعنى‏:‏ يفهم أحكامه، قال الحسن‏:‏ وهذه آية محكمة؛ وذلك سُنَّة إِلى يوم القيامة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابنُ إسحاق‏:‏ هي قبائلُ بني بَكْر؛ كانوا دخلوا وقْتَ الحديبية في العهد، فأُمِرَ المسلمون بإِتمام العَهْدِ لمن لم يكُنْ نَقَضَ منهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 11‏]‏

‏{‏كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏8‏)‏ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏9‏)‏ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ‏(‏10‏)‏ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ في الكلام حذْفٌ، تقديره‏:‏ كيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي «كيف» هنا تأكيدٌ لِلاستبعادِ الذي في الأُولَى، و‏{‏لاَ يَرْقُبُواْ‏}‏ معناه‏:‏ لا يُرَاعُوا، ولا يَحْفَظُوا، وقرأ الجمهور‏:‏ «إِلاًّ»، وهو اللَّه عزَّ وجلَّ؛ قاله مجاهد، وأبو مِجْلِزٍ، وهو اسمه بالسُّرْيانية، وعُرِّب، ويجوز أن يراد به العَهْدُ، والعَرَبُ تقول للعهد والحِلْف والجِوَارِ ونحوِ هذه المعاني‏:‏ «إِلاًّ»، والذِّمةُ أيضاً‏:‏ بمعنى الحِلْفِ والجوارِ ونحوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 13‏]‏

‏{‏وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ‏(‏12‏)‏ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ويليق هنا ذكْرُ شيء مِنْ حُكْمٍ طعن الذميِّ في الدِّين، والمشهورُ من مذْهَب مالِكٍ‏:‏ أنه إِذا فعل شيئاً من ذلك؛ مِثْلُ تكذيبِ الشريعة، وسبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قُتِلَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر‏}‏، أي‏:‏ رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودُونَ الناس إِليه، وأصوبُ ما يقال في هذه الآية‏:‏ أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، واقتضت حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولاً، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ «لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ» ‏(‏جَمْع يمين‏)‏، أي‏:‏ لا أيمان لهم يُوفَى بها وتُبَرُّ، وهذا المعنَى يشبه الآيةَ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة‏:‏ «لا إِيمَانَ لَهُمْ»، وهذا يحتملُ وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ لا تصديقَ لهم، قال أبو عَليٍّ‏:‏ وهذا غَيْرُ قويٍّ؛ لأنه تكريرٌ، وذلك أنه وَصَفَ أَئمَّة الكُفْرِ بأنهم لا إِيمان لهم، والوجْه في كَسْر الألفِ أَنَّه مصْدَرٌ من آمَنْتُهُ إِيماناً؛ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ‏}‏ ‏[‏قريش‏:‏ 4‏]‏ فالمعنى‏:‏ أنهم لاَ يُؤَمَّنُونَ كما يُؤَمَّنُ أَهْلُ الذمَّة الكتابيُّون؛ إِذ المشركون ليس لهم إِلا الإِسلام أو السَّيْفَ، قال أبو حاتمْ‏:‏ فَسَّر الحَسَنُ قراءته‏:‏ لا إِسلام لهم‏.‏

قال * ع *‏:‏ والتكريرُ الذي فَرَّ أبو عَلِيٍّ منه متَّجِهٌ، لأنه بيانُ المهمِّ الذي يوجبُ قَتْلهم‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «ألا»‏:‏ عَرْضٌ وتحضيضٌ، قال الحسن‏:‏ والمراد ب ‏{‏إِخْرَاجٍ الرسول‏}‏‏:‏ إخراجُه من المدينة، وهذا مستقيمٌ؛ كغزوة أُحُدٍ والأحزاب‏.‏

وقال السديُّ‏:‏ المرادُ مِنْ مَكَّة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏، قيل‏:‏ يراد أفعالهم بمكَّة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبالمؤمنين‏.‏

وقال مجاهدٌ‏:‏ يراد به ما بَدَأَتْ به قريشٌ مِنْ معونة بني بَكْر حلفائِهِمْ، على خُزَاعَةَ حلفاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان هذا بَدْءَ النقْض‏.‏

وقال الطبريُّ‏:‏ يعني فعْلَهم يَوْمَ بدر‏.‏

قال الفَخْر‏:‏ قال ابن إِسحاق والسُّدِّيُّ والكَلَبِيُّ‏:‏ نزلَتْ هذه الآية في كفَّار مَكَّة؛ نكثوا أيمانهم بعد عَهْدِ الحديبية، وأعانوا بني بَكْر عَلَى خُزَاعة‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَتَخْشَوْنَهُمْ‏}‏‏:‏ استفهام على معنى التقرير والتوبيخ، ‏{‏فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ‏}‏، أي‏:‏ كَامِلِي الإِيمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 15‏]‏

‏{‏قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ‏(‏14‏)‏ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏15‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قاتلوهم يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ‏}‏، قرّرت الآياتُ قبلها أفعالَ الكَفَرة، ثم حضَّ على القتال مقترناً بذنوبهم؛ لتنبعث الحميَّة مع ذلك، ثم جزم الأمْرَ بقتالِهِمْ في هذه الآيةَ مقترناً بوَعْدٍ وكِيدٍ يتضمَّن النصْرَ عَلَيْهِم، والظَّفَرَ بهم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ‏}‏، معناه‏:‏ بالقتل والأسر، و‏{‏وَيُخْزِهِمْ‏}‏، معناه‏:‏ يذلَّهم علَى ذنوبهم، يقال‏:‏ خَزِيَ الرجُلُ يَخْزَى خَزْياً، إِذا ذَلَّ من حيثُ وَقَعَ في عَارٍ، وأَخْزَاهُ غيره، وخزي يخزي خزاية إذا استحى، وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ‏}‏، فيحتمل أنْ يريد جماعةَ المؤمنين، لأن كلَّ ما يهدُّ من الكُفْرِ هو شفاءٌ مِنْ هَمِّ صدور المؤمنين، ويحتمل أنْ يريد تخصيصَ قومٍ من المؤمنين، وروي أنهم خُزَاعَةْ؛ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ، ووجْه تخصيصهم أنهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان يومئذٍ في خُزَاعَةَ مؤمنون كثير؛ ويقتضي ذلك قولُ الخزاعيِّ المستَنْصِرِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا *** وفي آخر الرجز‏:‏

وَقَتَّلُونَا رُكَّعاً وَسُجَّدَا *** >

وقرأ جمهور الناس‏:‏ و«يَتُوبُ»- بالرفع-، على القطْع مما قبله، والمعنَى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يَتُوبُ على بعض هؤلاء الكَفَرة الذين أَمَرَ بقتالهم‏.‏

وعبارةُ * ص *‏:‏ و«يَتُوب»، الجمهورُ بالرّفْعِ على الاستئناف، وليس بداخلٍ في جوابِ الأمر؛ لأن توبته سبحانه على مَنْ يشاء لَيْسَتْ جزاءً على قتال الكُفَّار‏.‏ انتهى‏.‏